محمد ابو زهره
611
خاتم النبيين ( ص )
وكان محور الشورى يدور على أمرين : أيخرج النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم بجيش الإيمان ، ويقاتلهم حيث يكون خير مكان للقتال ، أم أنه يبقى في المدينة المنورة ، فإن أقاموا أقاموا في أسوأ مقام ، وقد ينفد منهم الزاد والراحلة ، وإن يدخلوا إلى المدينة المنورة ولها مسالكها المبنية بالحجارة والآجر ، وكأنها حصن وهم لا يعرفون مداخله . كانت الشورى في أي الأمرين أنكى للعدو ، وأقرب إلى النصر ، لقد كان رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم يكره الخروج ، وروى أن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم قال : « امكثوا واجعلوا الذراري في الآطام فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم ، ورموا من فوق البيوت » ، وروى ابن إسحاق أنه عليه الصلاة والسلام قال : « إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة ، وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام ، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها » . وإنه مما يسترعى الأنظار أن عبد اللّه بن أبي ابن سلول كان على هذا الرأي ، ولعله جبن اللقاء منه ، ولكيلا ينكشف النفاق ، أو لأنه يرى أن بعض مواليه اليهود قد يجدها فرصة للانقضاض . ومهما يكن من مقصده ، واللّه أعلم بذات الصدور ، فإنه قد قال : يا رسول اللّه ، أقم بالمدينة لا تخرج إليهم ، فو اللّه ما خرجنا منها إلى عدولنا قط إلا أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه ، فدعهم يا رسول اللّه ، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس ، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم ، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا . وقد خالف ذلك الرأي - مع أنه رأى النبي صلى اللّه تعالى عليه وسلم - كثيرون من المجاهدين ، وكانوا صنفين ، صنف من أهل النجدة والبأس والقوة لم يجدوا في الانتظار ما يتفق مع ما عندهم من إقدام ، وأنه لابد أن يلاقوهم ولا ينتظروهم ومن هؤلاء حمزة بن عبد المطلب أسد اللّه ، فقد قال في قوة : « والذي أنزل عليك الكتاب لنجالدنهم » . وقال رجال من الأنصار الأشداء : ومتى تقاتلهم يا رسول اللّه إذا لم تقاتلهم عند شعبنا . والصنف الثاني من الذين لم يحضروا بدرا ، وأرادوا أن يكون لهم في هذه الموقعة شرف مثل شرفها ، وقالوا : كنا نتمنى مثل هذا اليوم ، وندعو اللّه ، فقد ساقه إلينا ، وقرب المسير . وبذلك انتهى الرأي بالخروج ، لتكاثر الذين أرادوه ، وكثرة الذين أرادوا أن يستعيضوا عن شرف الجهاد في بدر بشرف الجهاد في أحد . وما كان لمحمد عليه الصلاة والسلام الذي جاء بالشورى ، وأمر بها إلا أن يستجيب لحكم الكثرة ، ولا يفرض فيه الخطأ ، كما يفعل ويروج المستبدون في هذا العصر ، إذ يفرضون في أنفسهم